محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

783

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

من الظهور ، والسرّ في ذلك أنّ الإحرام تجريد عن كلّ لباس مخيط وإجابة لدعوة الداعي بالتلبية : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، والتجريد كلّ التجريد أن تتجرّد الأرواح والنفوس عن الأبدان كما تجرّدت الأبدان عن كلّ لباس ؛ فإنّ الأبدان [ لباس ] الأرواح كما أنّ المخيط لباس الأبدان ، فتخطّت جماعة إلى التجريد الثالث وهو التجريد عن البيوت ؛ إذ كانت البيوت بالنسبة إلى الأبدان كالأبدان بالنسبة إلى الأرواح ؛ وهي بيوتها ؛ فقالوا : لا توارينا بيوتنا عن السماء ، ولا نسكن بيتا له سقف يحجبنا عن السماء ، ولا ندخل من الأبواب إلى البيوت كما لا ندخل من أبواب الحسائس إلى الأرواح ، بل نثقب وراء البيوت من ظهورها ثقبا ؛ فندخل منه ونخرج ، وهو يوازي من البدن القوّة الذاكرة التي خلف الدماغ ؛ فإنّ الأبواب إلى المحسوسات مفتوحة نحو مقدّم الدماغ ، والأبواب إلى المعقولات مفتوحة نحو مؤخّر الدماغ ، إلّا جماعة من الأشراف وهم الأحماس ثبتوا على دخول البيوت من الأبواب المفتوحة إليها ، ولم يدخلوها من ظهورها ، وعدوا مذهب أولئك غلوّا في الأمر بلا برهان وحجّة وبدعة ابتدعوها على خلاف السنّة ؛ وقد ورد القرآن بتصويبهم وتصديقهم أنّها ليس من البرّ والطاعة والإخلاص في العبادة . وقال تعالى : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وقال تعالى هاهنا : لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى والمناسبة بين الآيتين أنّ جماعة قصروا في التوحيد ؛ فظنّوا أنّه تعالى بكلّ مكان كونا مكانيا ؛ فقالوا : البرّ والإخلاص في أن نولّي قبل المشرق والمغرب ولا نعين جهة بالاستقبال ؛ فصرفهم اللّه تعالى إلى جهة القبلة رعاية للشريعة وأن لا تذهب عقولهم وأذهانهم إلى كلّ صوب ؛ فقال : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ؛ * وجماعة غلوّا في التجريد والتوحيد حتّى تجرّدوا عن كلّ لباس مخيط وعن كلّ بيت مسقوف وعن كلّ باب مفتوح ؛ وقالوا : البرّ والطاعة والإخلاص في التوحيد والعبادة في مثل هذا التجريد حتّى يصحّ منّا لبّيك اللّهمّ لبّيك إلى قولهم لا شريك لك ؛ فصرفهم اللّه تعالى عن مثل هذا الغلو في ( 322 ب ) التجريد وقال : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى . أنتم ترون البرّ في مثل هذا التجريد كما رأى قوم البرّ في مثل ذلك التوحيد ؛ ونحن وضعنا البرّ في شخص وهو من آمن باللّه ومن اتّقى بتقوى اللّه ؛ فلا بدّ من اتّباعه لاتّباع أمر اللّه .